روى الإمام أحمد في المسند(ح 15747 )
عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْكِلَابِيِّ_ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ _، أَنَّ رَسُولَ اللهِصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: " يَا ضَحَّاكُ مَا طَعَامُكَ ؟ " قَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،اللَّحْمُ وَاللَّبَنُ ؟ قَالَ: " ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى مَاذَا ؟ " قَالَ: إِلَى مَا قَدْ عَلِمْتَ،قَالَ: "فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ضَرَبَ مَا يَخْرُجُ مِنْ ابْنِ آدَمَ مَثَلًا لِلدُّنْيَا "
ثم روى (ح 21239 )
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ_ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ _، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _: "إِنَّ مَطْعَمَ ابْنِ آدَمَ جُعِلَ مَثَلًا لِلدُّنْيَا، وَإِنْ قَزَّحَهُ، وَمَلَّحَهُ فَانْظُرُوا إِلَى مَا يَصِيرُ "
وروى الطبراني (الكبير6119)
عَنْ سَلْمَانَ_ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ _ قَالَ: جَاءَ قَوْمٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمْ: «أَلَكُمْ طَعَامٌ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَلَكُمْ شَرَابٌ؟» قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: «فَتُصَفُّونَهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «وَتُبَرِّدُونَهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنَّ مَعَادَهُمَا كَمَعَادِ الدُّنْيَا، يَقُومُ أَحَدُكُمْ إِلَى خَلْفِ بَيْتِهِ، فَيُمْسِكُ عَلَى أَنْفِهِ مِنْ نَتْنِهِ»
والحديث حسن بمجموع طرقه والله تعالى أعلم .
قوله: "وإن قزحه" :أي توبله من القزح وهو التابل الذي يطرح في القدر كالكمون والكزبرة ونحو ذلك يقال قزحت القدر إذا تركت فيها الأبازير.
" وملحه": أي ألقى فيه الملح بقدر يقال ملحت القدر بالتخفيف أي ألقيت فيها الملح بقدر فإذا أكثرت ملحها حتى تفسد قالت أملحتها بالألف.
ينظر: النهاية في غريب الحديث (قزح) ،( ملح )، غريب الحديث لابن الجوزي (2/ 371 )
معنى الحديث ،وما يُؤْخَذُ مِنه:
-قوله" فانظر إلى ما يصير ." يعني ما يخرج منه : كان قبل ذلك ألوانا من الأطعمة طيبة ناعمة وشرابا سائغا فصارت عاقبته إلى ما ترى،فالدنيا خضرة حلوة والنفس تميل إليها،والجاهل بعاقبتها يتنافس في رتبتها ظانا أنها تبقى أو هو يبقى.
وفيه: أن المطعم وإن تكلف الإنسان التنوق في صنعته وتطييبه فإنه عائد إلى حال يكره ويستقذر، فكذلك الدنيا المحروص على عمارتها ونظم أسبابها راجعة إلى خراب وإدبار.
ولو فكر الإنسان فيما يئول إليه الطعام لعافته نفسه ،وقد ضرب العلماء مثلا للدنيا ومخالفه آخرها أولها ، ومضادة مباديها عواقبها ، فقالوا إن شهوات الدنيا في القلب لذيذه كشهوات الأطعمة في المعدة ، وسيجد الإنسان عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا طبختها المعدة وبلغت غاية نضجها ، وكما أن الطعام كلما كان ألذ طعما وأظهر حلاوة ، كان رجيعه أقذر وأشد نتنا ، فكذلك كل شهوة في القلب أشهى وألذ وأقوى ، فإن نتنها وكراهتها والتأذي بها عند الموت أشد ، بل هذه الحال في الدنيا مشاهدة ، فإن من نهبت داره ، وأخذ أهله وولده وماله ، تكون مصيبته وألمه وتفجعه في الذي فقد بمقدار لذته به ، وحبه له ، وحرصه عليه ، فكل ما كان في الوجود أشهى وألذ ، فهو عند الفقد أدهى وأمر ، ولا معنى للموت إلا فقد ما في الدنيا.
- وقد ذهب أبيّ بن كعب وابن عباسرضي الله عنه- م- والحسن ومجاهد وغيره إلى أن المراد بقوله تعالى: { فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} سورة عبس آية 24 إذا صار رجيعاً ليتأمل حيث تصير عاقبة الدنيا ، وعلى أي شيء يتفانى أهلها وتستدير رحاها.
وينبغي في قضاء الحاجة: أَنْ يَنْظُرَ وَيَعْتَبِرَ فِيمَا انْفَصَلَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا طَيِّبَ الْمَذَاقِ شَهِيًّا لِلنُّفُوسِ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِعِوَضٍ ثُمَّ، مَعَ هَذِهِ الْعِزَّةِ الَّتِي لَهُ وَالطَّهَارَةِ الَّتِي لَدَيْهِ إذَا خَالَطْنَا قَلِيلًا سُلِبَتْ طَهَارَتُهُ وَذَهَبَ عِزُّهُ وَصَارَ مُنْتِنًا قَذِرًا يُتَحَامَى عَنْهُ وَيَتَوَلَّى الْوَجْهُ مِنْهُ، فَهَذَا كَانَ سَبَبُهُ خُلْطَتَهُ لَنَا وَمُمَازَجَتَهُ بِنَا،ثُمَّ إنَّهُ لَمْ نَجِدْ هَذَا فِي الطَّعَامِ وَحْدَهُ، بَلْ فِي كُلِّ مَا نُبَاشِرُهُ إنْ لَبِسْنَا ثَوْبًا جَدِيدًا فَعَنْ قَلِيلٍ يَتَوَسَّخُ وَيَتَقَذَّرُ وَعَنْ قَلِيلٍ يَتَمَزَّقُ وَيَخْلَقُ وَإِنْ مَسَّنَا طِيبًا فَعَنْ قَلِيلٍ تَذْهَبُ رَائِحَتُهُ وَيُسْتَقْذَرُ وَأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرٌ
فَنَتَجَ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ :
أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْتَبِرُ إذْ ذَاكَ وَيَأْخُذُ نَفْسَهُ فِي الْأَدَبِ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: الْهَرَبُ مِنْ خِلْطَةِ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ آثَارِ هَذِهِ الْخِلْطَةِ لِغَيْرِ الْجِنْسِ كَمَا صَارَ الطَّعَامُ فِي جَوْفِهِ هُوَ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ إذَا خَالَطَهُ أَحَدٌ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي دِينِهِ أَوْ يَنْفَعُهُ هُوَ فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ أَنْ يُغَيِّرَ أَحَدًا مِنْهُمْ بِسَبَبِ خِلْطَتِهِ كَمَا يَتَغَيَّرُ كُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا ذُكِرَ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ فِي طَبْعِهِ وَمِزَاجِهِ أَعْنِي التَّغْيِيرَ إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك، وَهَذَانِ وَجْهَانِ عَظِيمَانِ فِي السُّلُوكِ وَهُمَا مَوْجُودَانِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ.
المراجع:
المحرر الوجيز (ج 6 / ص 497)، فيض القدر للمناوي (ج 2 / ص 522)، (ج 5 / ص 258)، المدخل لابن الحاج (1/ 33)
اللهم
يا معلم إبراهيم علمنا ويا مفهم سليمان فهمنا
وارزقنا الزهد في الدنيا،
والإقبال على الدار الآخرة.
YAk~Q lQ'XuQlQ hfXkA N]QlQ [EuAgQ lQeQgWh gAg]~EkXdQh YAk~Q hfXkA [EuAgQ gAg]~EkXdQh lQeQgWh